المقريزي

730

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

الحاكمي الذي يلي المنبر ، فيدخلون إلى مقصورة كانت هناك على يسرة الدّاخل من الباب المذكور - تعرف بمقصورة البسملة ، فإنّه بها إلى اليوم بسملة قد كتبت بحروف كبار - فيصلّي الشّيخ تحيّة المسجد تحت سحابة منصوبة له دائما ، وتصلّي الجماعة . ثم يجلسون ، وتفرّق عليهم أجزاء الرّبعة ، فيقرأون القرآن حتى يؤذّن المؤذّنون ، فتؤخذ الأجزاء منهم ، ويشتغلون بالتّركّع واستماع الخطبة وهم منصتون خاشعون . فإذا قضيت الصّلاة والدّعاء بعدها ، قام قارئ من قرّاء الخانقاه ، ورفع صوته بقراءة ما تيسّر من القرآن ، ودعا للسّلطان صلاح الدّين ولواقف الجامع ولسائر المسلمين . فإذا فرغ قام الشّيخ من مصلّاه ، وسار من الجامع إلى الخانقاه والصّوفيّة معه كما كان توجّهم إلى الجامع ؛ فيكون هذا من أجمل عوايد أهل « a » القاهرة . وما برح الأمر على ذلك إلى أن ولي الأمير يلبغا السّالمي نظر الخانقاه المذكورة في يوم الجمعة ثامن عشر جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين وسبع مائة ، فنزل إليها وأخرج كتاب الوقف ، وأراد العمل بما فيه من شرط الواقف ؛ فقطع من الصّوفيّة المنزّلين بها عشرات ممّن له منصب ومن هو مشهور بمال ، وزاد الفقراء المجرّدين - وهم المقيمون بها - في كلّ يوم رغيفا من الخبز ، فصار لكلّ مجرّد أربعة أرغفة بعدما كانت ثلاثة ، ورتّب بالخانقاه وظيفتي ذكر بعد صلاة العشاء الآخرة ، وبعد صلاة الصّبح . فكثر النكير على السّالمي ممّن أخرجهم ، وزاد الأشلّاء ، فقال بعض أدباء العصر في ذلك : [ الكامل ] يا أهل خانقاه الصّلاح أراكم * ما بين شاك للزّمان وشاتم يكفيكم ما قد أكلتم باطلا * من وقفها وخرجتم بالسّالم وكان سبب ولاية السّالمي نظر الخانقاه المذكورة ، أنّ العادة كانت قديما أنّ الشّيخ هو الذي يتحدّث في نظرها . فلمّا كانت أيّام الظّاهر برقوق ولي مشيختها شخص يعرف بالشّيخ محمد البلالي ، قدم من البلاد الشّامية ، وصار للأمير سودون الشّيخوني - نائب السّلطنة بديار مصر - فيه اعتقاد . فلمّا سعى له في المشيخة ، / واستقرّ فيها بتعيينه ، سأله أن يتحدّث في النظر إعانة له ، فتحدّث . وكانت عدّة الصّوفيّة بها نحو الثلاث مائة رجل : لكلّ منهم في اليوم ثلاثة أرغفة زنتها ثلاثة أرطال خبز ، وقطعة لحم زنتها ثلث رطل في مرق ، وتعمل لهم الحلوى في كلّ شهر ، ويفرّق

--> ( a ) ساقطة من بولاق .